ابن تيمية
121
مجموعة الرسائل والمسائل
على أن الحسن والقبح إذا فسرا بكون الفعل نافعاً للفاعل ملائماً له وكونه ضاراً للفاعل منافراً له أنه يمكن معرفته بالعقل كما يعرف بالشرع ، وظن من ظن من هؤلاء أن الحسن والقبح المعلوم بالشرع خارج عن هذا ، وهذا ليس كذلك ، بل جميع الأفعال التي أوجبها الله تعالى وندب إليها هي نافعة لفاعليها ومصلحة لهم ، وجميع الأفعال التي نهى الله عنها هي ضارة لفاعليها ومفسدة في حقهم ، والثواب المترتب على طاعة الشارع نافع للفاعل ومصلحة له ، والذم والعقاب المرتب على معصيته ضار للفاعل ومفسدة له ، والمعتزلة أثبتت الحسن في أفعال الله تعالى لا بمعنى حكم يعود إليه من أفعاله . ومنازعوهم لما اعتقدوا أن لا حسن ولا قبح إلا ما عاد إلى الفاعل منه حكم نفوا ذلك وقالوا القبيح في حق الله تعالى هو الممتنع لذاته ، وكل ما يقدر ممكننا من الأفعال فهو حسن ، إذ لا فرق بالنسبة إليه عندهم بين مفعول ومفعول ، وأولئك أثبتوا حسناً وقبحاً لا يعود إلى الفاعل منه حكم يقوم بذاته ، إذ عندهم لا يقوم بذاته وصف ولا فعل ولا غير ذلك وإن كانوا قد يتناقضون . ثم أخذوا يقيسون ذلك على ما يحسن من العبد ويقبح ، فجعلوا يوجبون على الله سبحانه ما يوجبون على العبد ، ويحرمون عليه من جنس ما يحرمون على العبد ، ويسمون ذلك العدل والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمته ، فلا يثبتون له مشيئة عامة ، ولا قدرة تامة ، فلا يجعلونه ( على كل شيء قدير ) ولا يقولون " ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن " ولا يقرون بأنه خالق كل شيء . ويثبتون له من الظلم ما نزه نفسه عنه سبحانه ، فإنه قال ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ) أي لا يخاف أن يظلم فيحمل عليه من سيئات غيره ولا يهضم من حسناته . وقال تعالى ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد ) وقال صلى الله عليه وسلم في حديث البطاقة الذي رواه الترمذي وغيره " يجاء برجل من أمتي يوم القيامة فتنشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر ، فيقال له : هل